محمد الغزالي
414
فقه السيرة ( الغزالي )
طليعة الوفود استغرق المسير إلى تبوك والماب منها أياما طوالا ، فقد خرج المسلمون إليها في رجب ، وعادوا في رمضان ، ليؤدّوا ما عليهم من فريضة الصيام ، ولم يلبثوا طويلا حتى جاءت البشريات بأنّ وفد ثقيف قدم إلى المدينة ليفاوض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على الدخول في الإسلام ؛ لقد استجاب اللّه دعوة نبيّه لأهل الطائف أن يسلس قيادهم للحق فيأتوا طائعين ، وكان أهل الطائف - بعد أن انفضّ الحصار المضروب عليهم - قد أخذو يتروّون في شأنهم ومصيرهم ، إلا أنّ جمهورهم لما يزل على ولائه للأصنام وصدوده عن الإسلام . وحاول رئيسهم ( عروة بن مسعود ) أن يتحدّث إليهم في نبذ هذه الجاهلية ، وعروة فيهم سيد مطاع محبوب ، غير أنّ نخوة الامتناع استبدّت بهم ، فلما أظهر الرجل دخوله في الإسلام ودعاهم إلى ذلك ، رموه بالنبل فقتلوه . . ولم ييئس العقلاء من رشد قومهم ، ولم تستطع ثقيف كذلك تجاهل ما حولها ، فإنّ دولة الأصنام تدبر في كل مكان ، وأمر الإسلام يعلو يوما بعد يوم . فاجتمع عمرو بن أمية ب ( عبد ياليل بن عمرو ) وقال له : إنّه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة « 1 » ، إنه قد كان أمر هذا الرجل ما رأيت ، وقد أسلمت العرب كلها ، وليست لكم بحربهم طاقة ، فانظروا في أمركم . ورأت ثقيف أن تبعث وفدها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليصل إلى وضع تقرّ به ، وتألف الوفد من ممثلين لعشائر ثقيف كلّها ، حتى يلتزموا ما يصل إليه من شروط . وجادل الوفد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جدالا طويلا يبغي أن يظفر منه بإقرار لبعض ماثر الجاهلية ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يأبى أشدّ الإباء ، وطلبوا منه أن يدع ( اللات ) ثلاث سنين ثم يهدمها ، ثم ساوموه على سنتين ، ثم سنة ، ثم شهر واحد بعد مقدمهم ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم يأبى إلا هدمها دون توقيت أمد معين .
--> ( 1 ) كانا من قبل متهاجرين .